ابن قيم الجوزية
246
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
حجابا ، فإن هذه الأمور إذا أضيفت إلى محالها ، كانت بحسب تلك المحال ، فنسبة قفل القلب إلى القلب كنسبة قفل الباب إليه ، وكذلك الختم والطابع الذي عليه ، هو بالنسبة إليه كالختم والطابع الذي على الباب والصندوق ونحوهما ، وكذلك نسبة الصمم والعمى إلى الأذن والعين ، وكذلك موته وحياته نظير موت البدن وحياته ، بل هذه الأمور ألزم للقلب منها للبدن ، فلو قيل : إنها حقيقة في ذلك ، مجاز في الأجسام المحسوسة ، لكان مثل قول هؤلاء وأقوى منه ، كلاهما باطل . فالعمى في الحقيقة والبكم والموت والقفل للقلب ، ثم قال تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 ) [ الحج ] . والمعنى أنه معظم العمى وأصله ، وهذا كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنما الربا في النسيئة » « 1 » ، وقوله : « إنما الماء من الماء » « 2 » ، وقوله : « ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس » « 3 » ، قوله : « ليس المسكين الذي تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، إنما المسكين الذي لا يجد ما يغنيه ، ولا يفطن له فيتصدق عليه » « 4 » ، وقوله : « ليس الشديد بالصّرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب » « 5 » . ولم يرد نفي الاسم عن هذه المسميات ، إنما أراد أن هؤلاء أولى بهذه الأسماء وأحق ممن يسمونه بها ، فهكذا قوله : لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 2178 ) ، ( 2179 ) ، ومسلم ( 1596 ) عن أبي سعيد وأسامة بن زيد . ( 2 ) رواه مسلم ( 343 ) عن أبي سعيد الخدري . ( 3 ) رواه البخاري ( 6446 ) ، ومسلم ( 1051 ) عن أبي هريرة . ( 4 ) رواه البخاري ( 1476 ) و ( 1479 ) و ( 4539 ) ، ومسلم ( 1039 ) عن أبي هريرة . ( 5 ) رواه البخاري ( 6114 ) ، ومسلم ( 2609 ) عن أبي هريرة .